السيد محمد تقي المدرسي

238

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

القرآن يحدد الطيب : والشرع المقدس جاء ببصائر وشرائع وآداب هذبت نفوس البشر ، وزكتها ، وجعلتهم أرق طباعاً ، وأجلى رؤىً ، حتى اكتشفوا جمال الخلقة وروعة الفطرة ، وميّزوا بين الحق والباطل ، وبين الطيب والخبيث ، والحسن والسيء . وبالإضافة إلى ذلك أشارت آيات الذكر إلى بعض مصاديق الطيب والخبيث مما يقربنا إلى فهم أعمق لمعانيهما ، وفيما يلي نطوف بالموارد التي ذكرت فيها هاتان الكلمتان ، لعلنا نهتدي إلى عمق معناهما : أ - قال الله سبحانه : وإِنْ خِفْتُمْ الَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ الَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى الَّا تَعُولُوا ( النساء / 3 ) لعل المعنى انكحوا ما استطبتم من النساء ، وهنا المرأة الطيبة تختلف باختلاف الطباع من ناحية خصالها النفسية والاجتماعية والجسدية . ب - قال الله تعالى : وءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( النساء / 4 ) وطيب النفس هنا ايضاً يرتبط بمعيار ذاتي يختلف حسب الناس ، وليس بمعيار موضوعي شامل لكل البشر . ج - اما قوله عز وجل : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشَآءُ فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( آل عمران / 179 ) فان المراد من الطيب والخبيث - حسب الظاهر - هو الذي يحدد الشرع طيبه أو خبثه . د - والبلد الطيب هو المنتج ، بينما الخبيث الذي لا ينتج . هذا ما نستوحيه من قوله سبحانه : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَايَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الايَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( الأعراف / 58 ) وهذا معيار موضوعي ، وليس معياراً ذاتياً .